محمود سالم محمد

353

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

العشرينيات وهو الوتر ، ففعل ذلك ونظم قصائد بعدد حروف الهجاء ، ورتبها الترتيب الأبجدي ، وزاد على ذلك فبدأ كل بيت من قصائده بحرف القافية ، فحصر نفسه بقيود شكلية لا تسمن ولا تغني ، ولا تضيف شيئا بديعا إلى الشكل أو المعنى ، وكل همّه وهمّ أمثاله من الشعراء ، هو إثبات المقدرة على تكوين مثل هذه القصائد ، التي جاءت عند الوتري على النحو التالي : أصلّي صلاة تملأ الأرض والسّما * على من له أعلى العلا متبوّأ أقيم مقاما لم يقم فيه مرسل * وأضحت له حجب الجلال توطّأ « 1 » وقال على حرف الباء : بنور رسول اللّه أشرقت الدّنا * ففي نوره كلّ يجيء ويذهب براه جلال الحق للخلق رحمة * فكلّ الورى في برّه يتقلّب « 2 » ويظل الشاعر ينتقل من قصيدة إلى قصيدة ، يضع معانيه في قوالب دقيقة ، رسمها في ذهنه مسبقا ، لا يحيد عنها حتى ينهي حروف الهجاء نظما وترتيبا . ومن الطريف في هذا الباب مدحة نبوية للكندي الدشناوي « 3 » ، بدأ كل بيت من أبياتها بحرف من حروف الهجاء مرتبة ترتيبا أبجديا ، فقال : أبيت سوى مدح خير الورى * فأصبح نظمي وثيق العرا بروحي صفات تحلّي القريض * وتسكبه ذهبا أحمرا

--> ( 1 ) الوتري : معدن الإفاضات ص 6 . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 6 . ( 3 ) الكندي الدشناوي : محمد بن أحمد بن عبد الرحمن ، فقيه عالم فاضل ، أديب شاعر ، نظم فأحسن وكتب فأجاد ، أفتى وحدث وأفاد ، توفي سنة ( 722 ه ) . الأدفوي : الطالع السعيد ص 269 .